لا أريد أن أكرر ما كتبه سادتنا العلماء عن قضايا التوسل ، والاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، ورفع اليدين للدعاء دبر الصلوات المكتوبات ، والقنوت في صلاة الصبح ، وتقسيم الأحكام إلى بدعة وسنة بدل تقسيمها إلى حلال وحرام ومكروه ومندوب ومستحب ، والغلو في إسدال اللحى وتقصير القمصان إلى ما فوق نصف الساق ، وتكفير وتبديع أهل التصوف والعقيدة الأشعرية ... وغيرها من المسائل التي أشبعوها بحثا وتحقيقا وتدقيقا ، والكُتب في هذا الشأن تملء رفوف المكتبات ، لذا فإني أرى أننا قد اكتفينا من الكتابة في هذه الجوانب ، لكن لا تزال هنالك جوانب مظلمة معتمة أخرى لها علاقة بتاريخ الوهابية وارتباطهم بسياسة آل سعود وتقلباتها ، وتمددهم في العالم الإسلامي وعلاقاتهم بالجماعات المسلحة قديما وحديثا ... وتلاعب المخابرات السعودية والعالمية بهم كما تتلاعب الأمواج العاتية بالجثث الميتة ، وتزايد الفرق الوهابية وتعددها وفق ما تقتضيه السياسية الخارجية لآل سعود وحسب متغيرات الزمان والأحداث ، ومتغيرات موازين القوى في العائلة الحاكمة المرتبطة بسياسة البيت الأبيض ومتغيراته أيضا .
وفي الآن ذاته ورغم شدة انتقاداتنا للوهابية إلا أننا نطوي الفؤاد على محبة الخير لهم لأنهم مسلمون مثلنا ولأنهم جيراننا وزملائنا في العمل وبعضهم أقاربنا ، وهم أبناء وطننا .. لكننا اختلفنا معهم في فهم الإسلام و أولوياته ومقاصده الفقهية والشرعية ... واختلفنا معهم في فهم العقيدة وهو أهم اختلاف جرّنا إلى الخلاف ، فهم يعتبرون الأفعال التي تصدر من الخلق هي التي تجعل من الإله إلها ، بينما الحقيقة أن الأفعال ليست هي التي تجعل الإله إلها ، فسجود الملائكة لسيدنا آدم لم يكن عبادة ولا شركا لأنهم ما كانوا يعتقدون أن آدم إله ، على الرغم من أن السجود لله عبادة ، وكذلك سجود سيدنا يعقوب وأبنائه لسيدنا يوسف لم يكن عبادة له ولا شركا لعدم اعتقادهم أنه إله ، وهكذا في كل الأعمال التي تعمل أياً كانت درجة التعظيم فيها فلن تكون عبادة ولا يمكن أن تسمي شركا إلا إذ كان صاحبها اعتقاد قبلي يصبغ هذا الفعل بصبغة العبادة ... وهذا أكبر تلبيس وقع للوهابية في مسألة التوحيد والمسارعة إلى رمي المسلمين بالشرك ، بل انطماس في البصيرة !!!! وإلا ما معنى أن يترك الوهابية ألف دليل ، وألف قرينة ، وألف شاهد يدل على أن " فلان " مسلم يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ويتبعون الأوهام والهلاوس والوساوس التي ليس فيها مثقال ذرة من يقين على أن " فلان " مشرك ، أليس فلان هذا يصلي ويقول في صلاته أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ أليس فلان هذا يذكر الله ويسبحه ويردد في ذكره لا إله إلا الله ؟ أليس فلان هذا يصوم ويحج ويزكي ويفرد أعماله وعباداته لله الواحد الأحد ؟ ... رمي المسلمين بالشرك من أعظم البدع التي ابتدعها وهابية نجد ، بل من أكبر مصائبهم وموبقاتهم ، فما أعظم أن تقول لمسلم أنت ضال ومشرك أو ترتكب أعمال شرك !!! .
وأرى أن من واجب كل صاحب قلم وكل المثقفين أن يبحثوا عن نقاط الاتفاق بين الصوفية والإخوان وأتباع جمعية العلماء وأتباع فكر مالك بن نبي .. فيُعلوا من شأنها ، وهذا ما أسعى دوما إليه ، والإغماض عن نقاط الاختلاف التي لا تصل إلى رمي المسلمين بالشرك ، لأن الفريضة الأولى التي ينبغي أن نعمل على الإلتزام بها هي وحدة المسلمين أولا وأخيرا ، ألم تقرؤوا قول الله تعالى : " واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا " ؟!!! .
رميلات

