من أصعب الأمور التي تواجه المسؤولين في مختلف مناصبهم ، تعاملهم مع موظفين وعمال متفاوتوا الفهم والإدراك ، ومتباينوا الميول والرغبات ، ومتنوعوا الطباع والإنفعالات ، ومتمايزوا ظروف العيش والحياة ... والأصعب من هذا عدم إيجاد متسع من الوقت للإصغاء لهذا وذاك ، بينما حُسن الإصغاء هو الفن الأخلاقي الذي لا يجيده إلا المقتدرون والكبار ، ولو علمه المسؤولون لجعلوه خبزهم اليومي ... حُسن الإصغاء فضيلة من الفضائل الكبرى ، وسر عظيم من أسرار المعاملات الإنسانية الراقية ، فهو ديدن الأنبياء ، وأسلوب النبلاء ، وخُلق المتواضعين ، وشعار كل ذي علم وحلم ... حُسن الإصغاء هو باب عظيم للفهم ، والفهم هو الدواء الشافي لكثير من الأمراض التي ما تزال تعيق الناس على بناء مجتمع راشد ... حُسن الإصغاء هو المعلم الأول لفنون القول وجيّد الكلام ... حُسن الإصغاء هو ضرورة إنسانية ، وفريضة أخلاقية ، بدونها لا يمكن الفهم أوالتفاهم ، وبدونها يتحول الحوار إلى جدل عقيم ولغو أثيم ، وبدونه تتحول الحياة إلى تواصل خُرسان و طُرشان ، لا أحد فيها يفهم عن أحد ... بعض الناس تحدثه أولا تحدثه ، فهو بجسمه معك وبعقله في عوالم أخرى ، وبعضهم يحملق بعينيه فيك فتظنه مستمع جيد لك ، لكنه لا يكاد يفهم مما تقول شيئا ، ومع ذلك يُحرك رأسه ، ويمط شفتيه ، ويقطب أسارير جبته ، ليوهمك أنه يستمع إليك بأذن واعية ، وهو في قرارة نفسه لا يبالي بك ، وبعض القوم يُصغي إلى ما يعنيه من حديثك ، ولا يهمك بقية القول ... وبعضهم يستمع للمتحدث بدافع الشفقة عليه ، أو الحياء منه ، لكن لا يهمه ما يقول ... وذلك كله إصغاء سيء ، وغير حسن ، الإصغاء الحسن هو رحابة الصدر ، وإجبار النفس على التركيز ، ومقاومتها عن الشرود ، ومنع الانتباه عن التشتت ، وعدم مقاطعة المتحدث ، وإلغاء كل حكم مسبق بعد التهيأ للاستماع ، والابتسام بين الفينة والأخرى ، وبذل الوسع في فهم المتحدث ... وذلك كله يتطلب صبر ، وتجلد ، وطول ممارسة وتدريب ، لتستقيم النفس على هذا الخُلق الكريم ... هذا هو حُسن الإصغاء الذي ينبغي أن يتحلى به الناس جميعًا ، والمسؤولون أولاً ...
رميلات

