دفعني دافع الفضول إلى القراءة ـ عبر النت ـ عن مستوى الصحة في ألمانيا ، فوجدت نفسي أقرأ صفحات كثيرة مبثوثة هنا وهناك ، عن الصحة والتعليم والإقتصاد والتقنية والبحث العلمي وهلم جرًا ، ومما قرأت عن التعليم في ألمانيا أن المرحلة الابتدائية هناك أربع سنوات فقط ، ثم يُفرز المتمدرسون إلى ثلاث فئات ، فئة النوابغ ، وفئة أصحاب الذكاء العادي الذي يتساوى فيه الجميع ، وفئة التلامذة الضعاف ... أصحاب الفئة الأولى يتخطون مرحلة التعليم المتوسط ، فينتقلون من مرحلة التعليم الإبتدائي إلى الثانوي مباشرة ، أما أصحاب الذكاء العادي فيواصلون تعليمهم التدريجي ، فينتقلون من مرحلة التعليم الإبتدائي إلى مرحلة التعليم المتوسط ، ثم الثانوي بعد ذلك ، أما الفئة الثالثة من المتمدرسين الضعاف فيُوَجَّهُون رأسًا إلى مدارس خاصة لتمنحهم تعليمًا أكثر تركيزًا وأكثر عمقا ، وفي الفترة ما بين القسم الخامس إلى القسم الثاني عشر ـ وهي سنة الباكلوريا يمكن لأي تلميذ أن يتحسن مستواه فينتقل إلى القسم الموالي والذي كان في القسم الأحسن وضَعُفَ مستواه يمكنه أن يعود إلى القسم الأدنى ، أما السنوات الإلزامية لأي تلميذ في المدرسة فهي تسعٌ بالتمام والكمال ، فإذا قضاها يمكنه عند ذلك أن يغادر مقاعد الدراسة ، لكن إلى مدراس التمهين التابعة لوزارة التربية ، ولا توجد في ألمانيا تسمية مراكز التكوين ، لأن التكوين والتعليم صنوان لا ينفك أحدهما عن الآخر وهما وزارة واحدة هناك ، وحملة الليسانس المهني كحملة الليسانس التعليمي في التخصصات الفنية والتقنية ، لا فرق بينهما سوى أن بعضهم تلقاه نظريا وتطبيقيا ، وبعضهم تلقى تعليمه تطبييقا.
وخلال سنوات التعليم التسع ـ الإلزامية ـ إذا غاب أي تلميذ عن المدرسة لمدة أربع دقائق تتصل إدارة المدرسة بأوليائه لتستفسر عن سبب غيابه ، فإذا رفض الإلتحاق بالمدرسة من تلقاء نفسه تُكلف الشرطة بإحضاره رغمًا عن أنفه رفقة نفسانيين تابعين للوزارة الوصية ، أما إذا كان السبب عائلي فتتدخل إدارة المدرسة لحله وديًا وإذا تعذر حله بالحُسنى ، يؤخذ الطفل من والديه ويُعهد به إلى دار الشباب الأقرب لينال قسطه من التربية الأفضل والأحسن تحت رعاية وعناية مربين متدربين لهم دراية واسعة بعلم النفس وخبرة متمرسة بسجايا الأطفال وطباع المراهقين ، ولكل طفل الحق في الرفاه واللعب والأكل الصحي والإستقرار الأسري ، وإذا ما اكتشفت إدارة المدرسة نقص أحد مما ذكرنا تُحيله لتوه على مصالح الرعاية الإجتماعية ... أما عن الجامعة الألمانية ، وما أدراك ما الجامعة الألمانية ؟ فحدث ولا حرج ، فهي سر تقدم هذه الدولة الكبيرة وهي إكسير الحياة فيها ، حيث تنتشر الجامعات في كل جهات الدولة ولها برامج رصينة مكينة جعلتها جزء من كل مدينة ، ومن كل بيت ، ومن كل حقل زراعي ، ومن كل مصنع ، ومن كل صغيرة وكبيرة عبر مجالها الجغرافي ، ترابا ، وماءا ، وسماءا ، فخالطت الجامعة الناس واختلطت بهم فأصبحت جزءا منهم وأصبحوا جزءا منها ، لأن الجامعة هناك معين لانتاج المعرفة التي تتروي منها ألمانيا والعالم ... الجامعة هناك لا تعرف شيئا اسمه التلقين النظري البحت ، كل شيء تطبيقي وتسنده مخابر البحث ... أما كليات الطب فهي حاضرة في كل مشفى وفي جميع دور العجزة والمسنين ، وقبل أن يصبح الطبيب طبيبا يجب عليه أولا أن يمضي ثلاثة أشهر يمسح غائط الشيوخ والعجائز ويستبدل حفاظاتهم ويعتني بنظافتهم ، ليتعلم التواضع والرحمة بالضعفاء ، وقبل أن ينال شهادة الدكتوراه لزامًا عليه أن يتنقل بين مستشفيات الأطفال ، ومصحات المجانين ليتعلم معنى الصحة والعافية ومعنى أن تكون إنسانا قبل أن تكون طبيبا ، وقبل أن يُحوّل في آخر أيام دراسته إلى قسم الإستعجالات والطوارئ الطبية ليطبب ذوي الجروح والكسور الطارئة وذوي الأمراض المختلفة التي يشرف أصحابها على الموت ، وفي أطواره هذه يتابع الطبيب كل المقرارات النظرية وفق ما يمليه البرنامج الدراسي لتعلم مهنة الطب ، وفي ألمانيا لا فرق بين مستشفى وآخر في أي مدينة ألمانية ، جميع المشافي سواء في التخصصات ، أوالتجهيزات ، أوالمعدات الطبية ، أوعدد الأسِرَّة ، أوعدد الأطر الفنية والتقنية والإدارية ، ووفرة الأدوية ، ومخابر التحاليل ، وجميع أصناف وأنواع الأشعة .. ألمانيا بالمختصر المفيد رأس مالها الحقيقي الذي استثمرت فيه حتى أينع ونما واستغلظ واستوى على سوقه هو الإنسان ، وما أدراك ما الإنسان ؟ لأنه سر القوة والضعف معًا ، والالتحاق بالمدارس العليا للإدارة ، أوالقضاء ، وكليات الطب ، أوقيادة الطائرات ... لا يحتاج إلى وساطة ورشاوى ، جميع الناس سواسية أمام القانون ولديهم الحق جميعًا في التعليم والصحة والطب والشغل والراتب المحترم الذي يحفظ كرامتهم وآدميتهم ، هذا هو سر تقدم ألمانيا ، هو الاهتمام بإنسانية الإنسان .
رميلات

