البناء دوما أصعب من الهدم ، وإحقاق الحق أعظم من إبطال الباطل ، ومرارة التسامح أنفع من حلاوة الإنتقام ، وسيف الليونة أمضى من سيف الخشونة ، والعفو أقوى من العقوبة ... هذا هو المبتدأ ، وإليكم الخبر ، نظام الحكم يوشك على نهايته ، فكيف نبي دولة جديدة لا سيادة فيها سوى للقانون والحق والعدل ؟ وكيف نتعامل مع التركة الثقيلة ، والتعقيدات الوبيلة التي سيُخلفها النظام البائد ؟ هل نستمر في إهدار أوقاتنا في الثرثرة والجدل العقيم ؟ هل نمضي أوقاتنا في سب وشتم رموز النظام القديم ، ونَظمِ قصائد الهجاء التي تحكي معايبهم ، وتعدد مثالبهم ، وتذكر جرائمهم ؟ إذا كان سب وشتم رموز النظام البائد والتشفي في هلاك سلطانهم ، يساهم في بناء الدولة الجديدة
فأهلا ومرحبا بالسب والشتم والطعن واللعن ... لكن يجب أن يفهم الجميع أنه ليس كل مَن أيد النظام هو فاسد ، وليس كل فاسد تسقط عنه حقوق المواطنة ... " جماعة الكاشير " ليسوا كلهم فاسدون ... وليس كل مناضلي جبهة التحرير فاسدون ، وليس كل مناضلي التجمع الوطني الديمقراطي فاسدون ، وليس كل منتخب في مجلس بلدي أو ولائي سابق أو حالي هو فاسد ، وليس كل مَن استوزر ذات يوم هو فاسد ، وليس كل مَن كان عضو في البرلمان هو فاسد ، وليس كل مَن كان واليا ، أو رئيس دائرة ، أو رئيس بلدية هو فاسد ، وليس كل من كان سفيرا ، أو قنصلا هو فاسد ، وليس كل من كان مديرا ولائيا هو فاسد ... سَبُّ هؤلاء جميعا ، والانتقام من هؤلاء جميعا ، والتشفي في هؤلاء جميعا ، لاشك أنه سيسبب للدولة الجديدة متاعب خطيرة ، وكثيرة ، وكبيرة ، ولو فرضنا جدلا أن هؤلاء جميعا فاسدون ، فإن عددهم ليس 10 أو 20 أو 100 أو 200 أو 1000 أو 2000 ... مؤيدوا النظام القديم عددهم كبير جدا ، ومنهم الذين يمتلكون مالا لُبدًا ، ومنهم المتنفذون في مفاصل الدولة ، وأجهزة القضاء ، والأمن ، والإعلام ، والعلاقات الخارجية مع دول كبرى ... واستهداف هؤلاء جميعا ليس في صالح الحراك ، ولا يفيد الدولة الجديدة في شيئ ، بل سيسبب لها أضرار نحن في غِنًا عنها ، وإذا أبَى شباب الحراك إلا الانتقام والقصاص ، فلا شك أنها رسائل غير مطمئنة ، ولا شك أن المصائب ستجمع المصابين ، لذا فإن مؤيدي النظام السابق سيَجمعون شتاتهم و يتواطؤا على ثورة مضادة تُعيد الدولة إلى دكتاتورية الأقلية ، وتسلطها ، واستبدادها ، وطغيانها الكبير ... أنصار النظام السابق هم مواطنون جزائريون مثلنا ، وليس لهم وطن آخر سوى الجزائر ، لذا فإن من الحكمة احتواؤهم ، ومسامحتهم ، وسيكون العفو عن ما سلف هو أكبر هدية نقدمها لوطننا _ وليس لهم هم _ في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة ، ولنا في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة ، وأسوة ، فقد ظلمه قومه ، وطردوه من بلده ، وحرضوا عليه صبيانهم ، واتهموه في عرضه ، وحاصروه في بيته ، ودبروا له محاولات اغتيال عديدة ، وقالوا عنه ساحر ، وقالوا كاهن ، وقالوا مجنون ، وقالوا نتربص به ريب المنون ... لكنه عندما دخل مكة فاتحا ، ومعه جيش عظيم ، ولما سمع خالد ابن الوليد يقول : اليوم يوم الملحمة ، قال : بل اليوم يوم المرحمة ، وقال لقومه : ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم ، وابن أخ كريم . عفى عنهم ، وقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وبنى دولة الإسلام الجديدة على تسامح وعفو كان من أجمل ما عرف التاريخ من تسامح ، وقد كان بإمكانه أن يبيد خضرائهم ويحصدهم حصد الهشيم المحتضر ... المؤيدون للنظام السابق عددهم كبير ولا يمكن لنا أن نسجنهم جميعا ، أو نحاكمهم جميعا ، أو نطردهم من وطنهم جميعا ، وأفضل حل معهم هو العفو ...هو التعامل معهم بسماحة خُلق ، على الرغم مما في العفو من غضاضة ، ومرارة ، ووجع ... ما عدا رموز النظام الذي نهبوا أموال الشعب وزوروا الانتخابات ، وخانوا أمانة الشهداء هؤلاء لابد من عقابهم ولتسقط السماء على الأرض ... ولعل عدد هذه الشرذمة لا يتجاوز الخمسين... أما " جماعة الكاشير " فهم مواطنون مثلنا ولهم الحق في التعبير عن أنفسهم ، وكثير منهم غُرر بهم ، وبعضهم ضَعف أمام اغراءات المال والسلطة ... لكن بعضهم منافقون مردوا على النفاق ، وهؤلاء أيضا هم ضعاف نفوس ولا ينبغي أن ننزعج من نفاقهم إذا ما انخرطوا في مسيرات الحراك الشعبي عبر الوطن ، لأن الشعب في الاستحقاقات المقبلة سيختار النزهاء والشرفاء ولن ينتخب وجوه الكاوتشو التي لها أكثر من لسان ، ولها أكثر من وجه ... بناء الدولة الجديدة ينبغي أن يتولاه الحكماء والعقلاء الذين لهم نظرة استشرافية متبصرة لمستقبل الوطن ، والتاريخ يبنيه العقلاء لا السفهاء والمتعجلون .. نحن بحاجة لدولة جديدة لا يكون القانون والعدل والحق وحده هو الذي تتأسس عليه ، نحن بحاجة لدولة نقطع فيها دابر الأحقاد ، والضغائن ، والانتقام ، والانتقام المضاد
وبهذا التسامح وحده سيطمئن مؤيدوا النظام البائد على مصيرهم ، وبرسائل التسامح هذه سيتعاونون مع الجيل الجديد لبناء دولة قوية وعصية على المواجع والفواجع ... أعرف أن كثير من المتحمسين ، والمندفعين ، والعاطفيين لا يعجبهم كلامي ، لكنني لا أقول لكم ما تريدون سماعه ، ولا أقول لكم ما يعجبكم ... أقول ما أراه حق ، وعدل ، وصواب ، ولا يهمني مادح أو قادح ... وأجري على الله .
رميلات
احدث المواضيع
العنايه بالبشره[Oneright]
طبيب المجله[Oneleft]
معلومات صحية
مطبخ المجلة
Home
Unlabelled
دولة التسامح خير وأبقى من دولة الانتقام والتشفي
Tagged with:
About الجزائر الآن
This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
مشاركة مميزة
هذا هو البرلمان الذي نريده أن يكون!!!!
من المفترض أن يكون أعضاء البرلمان من أفضل النخب الثقافية والعلمية والسياسية في البلاد … من المفترض أن لا يدخل تحت قبة البرلمان سوى الراسخون...
الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع
-
فضيلة الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم الهاملي أحد علماء القراءات السبع في الجزائر ، وعلى يديه تخرج علماء أعلام ، ومشايخ عظام ، كُنّا قد ...
